الشنقيطي
180
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بمعنى مفعول ، من النبأ وهو الخبر الذي له شأن ، لأن الوحي خبر له شأن يخبره اللّه به . وعلى قراءة بالياء المشددة فقال بعض العلماء : معناه كمعنى قراءة نافع ، إلا أن الهمزة أبدلت ياء وأدغمت فيها للياء التي قبلها . وعلى هذا فهو كالقراءتين السبعيتين في قوله إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [ التوبة : 37 ] بالهمزة وتشديد الياء . وقال بعض العلماء : هو على قراءة الجمهور من النبوة بمعنى الارتفاع لرفعة النبي وشرفه . والصالحون : هم الذين صلحت عقائدهم ، وأعمالهم . وأقوالهم ، ونياتهم ، والصلاح ضد الفساد . وقد وصف اللّه تعالى يحيى بالصلاح مع من وصف بذلك من الأنبياء في سورة « الأنعام » في قوله : وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 85 ) [ الأنعام : 85 ] . قوله تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) [ 16 ] . أمر اللّه جل وعلا نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية الكريمة : أن يذكر في الكتاب وهو القرآن « مريم » حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا . وقوله « انتبذت » أي تنحّت عنهم واعتزلتهم منفردة عنهم . وقوله مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) أي مما يلي شرقي بيت المقدس . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة « إذ » « مريم » بدل اشتمال ، لأنّ الأحيان مشتملة على ما فيها اشتمال الظرف على مظروفه . قاله الزمخشري في الكشاف واعترضه عليه أبو البقاء وأبو حيان : والظاهر سقوط اعتراضهما ، وأنّ الصواب معه ، واللّه تعالى أعلم . ولم يذكر هنا شيئا عن نسب « مريم » ولا عن قصة ولادتها . وبيّن في غير هذا الموضع أنها ابنة عمران ، وأنّ أمها نذرت ما في بطنها محررا ، تعني لخدمة بيت المقدس ، تظن أنّها ستلد ذكرا فولدت « مريم » . قال في بيان كونها ابنة عمران : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها [ التحريم : 12 ] الآية . وذكر قصة ولادتها في « آل عمران » في قوله : إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 35 ) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 36 ) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 37 ) [ آل عمران : 35 - 37 ] . وقوله « مكانا » منصوب لأنه ظرف . قوله تعالى : فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا [ 17 ] . أظهر الأقوال أن المراد بقوله « روحنا » جبريل . ويدل لذلك قوله : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) [ الشعراء : 193 ] الآية ، وقوله : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [ النحل : 102 ] الآية ، وإضافته إلى اللّه إضافة تشريف وتكريم . قوله تعالى : لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) . تمثله لها بشرا سويا المذكور في الآية يدل على أنه ملك وليس بآدمي . وهذا المدلول